محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا ( 90 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه : " ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم " ، ولو شاء الله لسلّط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم وذمتهم ، والذين يجيئونكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم = عليكم ، ( 1 ) أيها المؤمنون ، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين ، ولكن الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم . يقول جل ثناؤه : فأطيعوا الذي أنعم عليكم بكفِّهم عنكم مع سائر ما أنعم به عليكم ، فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، أو جاؤوكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم . ثم قال جل ثناؤه : " فإن اعتزلوكم " ، يقول : فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم من المنافقين ، بدخولهم في أهل عهدكم ، أو مصيرهم إليكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم = " فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَم " ، يقول : وصالحوكم . * * * و " السَّلَم " ، هو الاستسلام . ( 2 ) وإنما هذا مثلٌ ، كما يقول الرجل للرجل : " أعطيتك قِيادي " ، و " ألقيت إليك خِطَامي " ، إذا استسلم له وانقاد لأمره . فكذلك قوله : " وألقوا إليكم السلم " ، إنما هو : ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم ، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا . ومن " السَّلم " قول الطرمَّاح : وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا . . . لِلأسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ ( 3 )

--> ( 1 ) السياق : ولو شاء الله لسلط هؤلاء . . . عليكم " . ( 2 ) انظر تفسير " الإسلام " أيضًا فيما سلف من فهارس اللغة " سلم " . ( 3 ) ديوانه : 145 ، من قصيدته التي هجا بها الفرزدق وبيوت بني دارم وبني سعد فقال قبله : وَدَارِمٌ قد قَذَفْنَا مِنْهُمُ مِئَةً . . . فِي جَاحِمِ النَّارِ ، إِذْ يُلْقَوْنَ فِي الخُدَدِ يَنْزُونَ بالْمُشْتَوَى مِنْهَا ، ويُوقِدُهَا . . . عَمْرٌو ، وَلَوْلا لُحُومُ الْقَوْمِ لَمْ تَقِدِ وَذَاكَ أنَّ تَمِيمًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فزعم أن عمرو بن المنذر اللخمي ، أحرق بني دارم رهط الفرزدق ، قال أبو عبيدة : ولم يكن للطرماح بهذا الحديث علم . يعني حديث يوم أوارة ، وهو يوم غزا عمرو بن المنذر بني دارم ، فقتل منهم تسعة وتسعين رجلا . و " الأسد " يعني عمرو بن المنذر ومن معه . و " الحصان " المرأة العفيفة . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " كل مصان وعثه اللبد " وهو خطأ لا معنى له . وامرأة " وعثة " : كثيرة اللحم ، كأن الأصابع تسوخ فيها من كثرة لحمها ولينها . " وامرأة وعثه الأرداف " ، كذلك . و " اللبد " جمع لبدة ( بكسر فسكون ) : وهي كساء ملبس يفرش للجلوس عليه . وعنى بذلك أنها وعثة الأرداف ، حيث تجلس على اللبد . فسمي الأرداف لبدًا . يقول : أسلمت تميم نساءها لنا ولجيش عمرو بن المنذر ، وفروا عن أعراضهم ، لم يلفتهم إليهن ضعفهن عن الدفع عن أنفسهن ، وأنساهم الروع كرائم نسائهم ومترفاتهن .